كرة القدم تقتحم فضاءات الفكر وتكشف تحولات المجتمع داخل معرض الرباط للكتاب

كرة القدم تقتحم فضاءات الفكر وتكشف تحولات المجتمع داخل معرض الرباط للكتاب
احتضن المعرض الدولي للنشر والكتاب بالعاصمة الرباط لقاء فكريا سلط الضوء على الحضور المتزايد لكرة القدم داخل النقاش الثقافي والأكاديمي، وذلك من خلال ندوة نظمها مجلس الجالية المغربية بالخارج تحت عنوان يربط بين الكرة والسوسيولوجيا والمسرح، ويطرح سؤال العلاقة التي تجمع المثقف بعالم المستديرة. وقد شارك في هذا الموعد الثقافي كل من الكاتب والمخرج المغربي الفرنسي محمد الخطيب، والباحث في علم الاجتماع مروان محمد، إلى جانب الأكاديمي حسن بوستة، حيث تبادلوا رؤى وتجارب تكشف كيف تحولت كرة القدم من مجرد لعبة شعبية إلى مادة للتفكير والتحليل الاجتماعي والسياسي.
ومنذ انطلاق النقاش، شدد حسن بوستة الذي أدار الندوة على أن إدراج كرة القدم ضمن برنامج حدث ثقافي مخصص للكتاب والفكر ليس أمرا عاديا، بل يعكس تحولا في طريقة فهم المجتمع لذاته. وأوضح أن هذه الرياضة لم تعد محصورة داخل الملاعب، بل أصبحت جزءا من الحياة اليومية ومن الذاكرة الجماعية، بما تحمله من قصص مرتبطة بالهجرة والطبقات الشعبية والهامش الاجتماعي، فضلا عن قدرتها على اختزال مشاعر الانتماء والهوية داخل لحظات جماعية يعيشها الجمهور بشغف كبير.
كما اعتبر الأكاديمي المتخصص في العلوم السياسية والاجتماعية أن كرة القدم، رغم تأثيرها الواسع على العلاقات الاجتماعية وعلى تفاصيل الحياة اليومية، ما تزال لا تحظى بالمكانة التي تستحقها داخل دراسات العلوم الإنسانية. وأضاف أن عددا من الباحثين يتعاملون معها باعتبارها مجرد ترفيه جماهيري، في حين أنها في الواقع فضاء غني لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعرفها المجتمعات المعاصرة.
أما الكاتب المسرحي والمخرج محمد الخطيب، فقد استعاد جانبا من طفولته وعلاقته المبكرة بعالم الكرة، مؤكدا أن شغفه بهذه الرياضة رافقه منذ سنواته الأولى. وكشف أنه كان قريبا من خوض تجربة احترافية بعدما تلقى دعوة للالتحاق بالمنتخب الفرنسي في سن صغيرة، غير أن والده اختار أن يمنحه الأولوية للدراسة بدل متابعة المسار الرياضي. واعتبر الخطيب أن صورة الأب ظلت حاضرة بقوة في مساره الفكري والفني، إذ كان يرى المباريات من زاوية سياسية وفكرية، ويربط أسلوب اللعب بطريقة التفكير داخل المجتمع، ما جعل كرة القدم تتحول داخل البيت إلى امتداد للنقاشات المرتبطة بالأفكار والإيديولوجيات.
وأوضح المتحدث أن الإصابة التي تعرض لها أنهت حلمه الرياضي مبكرا، غير أنها لم تقطع صلته بعالم الكرة، بل جعلته ينقل ذلك الشغف إلى الخشبة الفنية وإلى أعماله المسرحية والوثائقية. وأشار إلى أن المسرح وكرة القدم يشتركان في عنصر المفاجأة، لأن اللاعب كما الممثل يستطيعان خلق لحظات استثنائية عندما يتحرران من القيود الجاهزة ويتركان مساحة للإبداع والتلقائية.
وفي سياق حديثه عن الجانب الاجتماعي لكرة القدم، أكد الخطيب أن هذه الرياضة تملك قدرة هائلة على كشف حقيقة المجتمعات أكثر مما يفعله المسرح أحيانا. واستحضر تجربته مع مجموعات “الألتراس”، موضحا أنه كان يحمل عنها أحكاما مسبقة قبل أن يكتشف وجها آخر يتمثل في انخراط أفرادها في مبادرات إنسانية واجتماعية، من بينها إعداد وجبات لفائدة المهاجرين والمحتاجين. واعتبر أن الصورة النمطية التي يتم الترويج لها حول جماهير الملاعب كثيرا ما تكون مبالغا فيها، خاصة عندما يتم اختزال آلاف الشباب في مشاهد العنف المعزولة.
كما روى الخطيب موقفا مؤثرا عاشه خلال نهائيات كأس العالم بقطر، حين وجد نفسه يسافر ضمن الوفد الرسمي الفرنسي لمتابعة مواجهة المنتخب المغربي ونظيره الفرنسي، قبل أن ينتهي به الأمر داخل مستودع ملابس “أسود الأطلس”. وأكد أن تلك اللحظة كانت استثنائية بالنسبة لوالده، الذي شعر للمرة الأولى بحجم المسار الذي حققه ابنه، بعدما لم تستطع أعماله الفنية وجولاته المسرحية أن تمنحه الإحساس نفسه بالفخر والاعتراف.
ومن جهته، ركز الباحث في علم الاجتماع مروان محمد على الحضور العميق لكرة القدم داخل تفاصيل الحياة اليومية، مشيرا إلى أن اللغة المتداولة بين الناس مليئة بتعابير مستوحاة من المعجم الكروي دون أن ينتبه الكثيرون إلى ذلك. وأضاف أن كرة القدم أصبحت بمثابة “الإسمنت” الذي يربط العلاقات الاجتماعية، لأنها توفر فضاء مشتركا يجمع الناس مهما اختلفت خلفياتهم الاجتماعية والثقافية.
واستعاد الباحث ذكرياته مع الكرة خلال طفولته بمدينة الدار البيضاء، مؤكدا أن تلك التجربة أثرت لاحقا في رؤيته الأكاديمية وفي طريقة تحليله للظواهر الاجتماعية. وأوضح أن مفاهيم مثل التمركز الجماعي والخطط التكتيكية واللعب الجماعي أصبحت بالنسبة إليه أدوات تساعد على فهم المجتمع وآليات اشتغاله، تماما كما يحدث داخل رقعة الملعب.
كما أشار مروان محمد إلى أن اهتمامه بكرة القدم داخل المجال الأكاديمي لم يكن دائما محل ترحيب، لأن بعض الباحثين ينظرون إلى الرياضة الشعبية باعتبارها بعيدة عن القضايا العلمية الجادة. غير أنه أكد اعتزازه بهذا التوجه، معتبرا أن كرة القدم تمثل مختبرا حقيقيا لفهم العلاقات الإنسانية والتفاوتات الاجتماعية وآليات الاندماج داخل الأحياء الشعبية.
وكشف المتحدث أيضا أنه لم يكتف بالتحليل النظري، بل بادر إلى تأسيس ناد لكرة القدم داخل الحي الذي يعيش فيه، بهدف التقريب بين الشباب وتجاوز التوترات والانقسامات المرتبطة بالأصول والاختلافات العرقية. وأوضح أن المشروع واجه في بداياته صعوبات عديدة، غير أن روح الفريق والتقارب التدريجي بين المشاركين جعلا النادي يتحول مع الوقت إلى فضاء للوحدة والتعايش.
وخلال الندوة، أجمع المشاركون على أن المسار التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في كأس العالم شكل لحظة فارقة على مستوى الوعي الجماعي، ليس فقط داخل المغرب بل أيضا في عدد من الدول الإفريقية والعربية. واعتبر مروان محمد أن ما أنجزه “أسود الأطلس” أعاد الثقة لشعوب كثيرة، ودفع المنتخبات الإفريقية إلى إعادة تقييم إمكانياتها وطموحاتها، وهو ما انعكس لاحقا على قوة المنافسة القارية.
وأشار المتدخلون كذلك إلى أن صورة المنتخب المغربي خلال المونديال، بما رافقها من اعتزاز بالهوية والعائلة والجذور، ساهمت في تغيير نظرة الكثير من الشباب مزدوجي الجنسية إلى بلدهم الأصلي. كما اعتبر محمد الخطيب أن المغرب أصبح اليوم يقدم صورة متطورة ثقافيا ورياضيا وإنسانيا، مؤكدا أنه لو عاد به الزمن إلى فترة شبابه لاختار تمثيل المنتخب المغربي عن قناعة وانتماء، وليس بدافع المصلحة أو الحسابات المهنية.



