ارتفاع أسعار الدجاج بالمغرب يثير مخاوف المستهلكين وسط تحذيرات من المضاربة واختلالات التسويق

ارتفاع أسعار الدجاج بالمغرب يثير مخاوف المستهلكين وسط تحذيرات من المضاربة واختلالات التسويق
تشهد الأسواق المغربية ارتفاعا متواصلا في أسعار الدجاج، في ظل تراجع الكميات المعروضة للبيع وتزايد الضغوط على سوق اللحوم البيضاء، الأمر الذي أثار قلق المستهلكين، خاصة الأسر التي أصبحت تعتمد على هذه المادة الغذائية بديلا عن اللحوم الحمراء التي تعرف بدورها ارتفاعا في الأسعار، ما يزيد من الأعباء المعيشية ويضع القدرة الشرائية للمواطنين أمام تحديات متجددة.
وتعكس الأسعار المسجلة في عدد من الأسواق حجم التفاوت بين البيع بالجملة والبيع بالتقسيط، إذ تشير معطيات مهنية مرتبطة بسوق الدار البيضاء إلى أن سعر الكيلوغرام الواحد من الدجاج بالجملة بلغ نحو 20 درهما، بينما يتراوح ثمنه لدى تجار التقسيط بين 25 و30 درهما، مع تسجيل اختلافات بحسب المدن والمناطق، حيث تصل الأسعار إلى مستويات أعلى في بعض الأسواق، من بينها مدينة طنجة.
وفي محاولة لتفسير أسباب هذه الزيادات، ربط محمد عبود، رئيس الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم بالمغرب، الوضع الحالي بالصعوبات التي واجهها القطاع خلال الأشهر الماضية، موضحا أن تراجع الإنتاج يرتبط بمجموعة من العوامل، من بينها ضعف الطلب في فترات سابقة والنقص المسجل في عدد المذابح الصناعية القادرة على استيعاب الكميات المنتجة وتسويقها في ظروف ملائمة.
وأشار عبود إلى أن تسويق الإنتاج المحلي أصبح يواجه صعوبات عبر القنوات التقليدية، بما فيها المجازر القريبة وأسواق الجملة، وهو ما أثر على نشاط المربين وأربك تدبير دورات الإنتاج، في ظل عدم استقرار السوق والتقلبات التي عرفتها الأسعار، الأمر الذي دفع عددا من المهنيين إلى إعادة النظر في حجم إنتاجهم وطريقة تدبير ضيعاتهم.
وأوضح المتحدث أن أسعار الدجاج عند الإنتاج سجلت في مرحلة سابقة مستويات منخفضة تراوحت بين أربعة وسبعة دراهم للكيلوغرام، وهو ما تسبب في خسائر مالية مهمة للمربين، خصوصا أصحاب الضيعات الصغيرة والمتوسطة، الذين وجدوا صعوبة في تغطية تكاليف الإنتاج ومواجهة الالتزامات المالية المرتبطة بتربية الدواجن، لا سيما خلال فصل الصيف.
وأضاف أن هذه الظروف دفعت عددا من المربين إلى تقليص إنتاج الكتاكيت والاعتماد بدرجة أكبر على ضيعاتهم الخاصة، في محاولة لتفادي مزيد من الخسائر والحد من المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسعار وضعف فرص التسويق، غير أن هذه القرارات انعكست بدورها على حجم العرض المتاح في السوق، بحسب التفسير الذي قدمه ممثل المهنيين.
وفي هذا السياق، لفت رئيس الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم إلى أن سوق الجملة بالدار البيضاء سجل تراجعا ملحوظا في الكميات التي تصل إليه، مشيرا إلى أن عدد الشاحنات التي تزود السوق بالدجاج لا يتجاوز 20 شاحنة يوميا، معتبرا أن محدودية الإمدادات تعد من العوامل التي تفسر جانبا من الارتفاع المسجل في الأسعار خلال الفترة الأخيرة.
وأكد عبود أن أثمنة الدجاج بالجملة أصبحت تقترب من 20 درهما للكيلوغرام أو تتجاوز هذا المستوى، في حين ترتفع لدى باعة التقسيط إلى ما بين 25 و30 درهما، تبعا لاختلاف المناطق وتكاليف التوزيع والبيع، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الاختلالات التي تعرفها سلسلة التسويق ومدى تأثيرها على السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك.
ورغم إرجاع جزء من هذه الزيادات إلى تراجع الإنتاج واضطراب مسالك التسويق، فإن عبود لم يستبعد احتمال وجود ممارسات مضارباتية تساهم في تأجيج الأسعار، داعيا إلى الانتباه إلى مختلف حلقات التوزيع والوقوف على الأسباب التي تجعل الأثمنة ترتفع بصورة متكررة، بما يضمن حماية مصالح المربين والمستهلكين على حد سواء.
**تحول استهلاك الأسر يزيد الضغط على سوق اللحوم البيضاء**
من جهته، اعتبر علي شتور، رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك وعضو الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن الارتفاع المسجل في أسعار الدجاج يرتبط أيضا بالتغيرات التي طرأت على أنماط الاستهلاك لدى الأسر المغربية، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة عدد من المواد الغذائية الأساسية.
وأوضح شتور أن أسعار الدجاج سبق أن تراجعت إلى مستويات تراوحت بين ثمانية وعشرة دراهم للكيلوغرام، في مرحلة تأثر فيها السوق بتوازنات العرض والطلب، غير أن ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء دفع شريحة واسعة من الأسر إلى تغيير اختياراتها الغذائية والبحث عن بدائل أقل تكلفة نسبيا، وفي مقدمتها الدجاج والبيض.
وأضاف أن هذا التحول في الاستهلاك أدى إلى زيادة الضغط على سوق اللحوم البيضاء، بعدما أصبح الدجاج خيارا أساسيا لدى العديد من الأسر التي تسعى إلى تقليص نفقاتها الغذائية دون الاستغناء عن مصادر البروتين، وهو ما يرفع حجم الطلب ويزيد من حساسية الأسعار لأي تراجع في الكميات المتوفرة.
وأشار المتحدث إلى أن استمرار ارتفاع الطلب، في غياب إنتاج كاف لتلبية حاجيات السوق، يؤدي إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأثمان التي يتحملها المستهلك النهائي، خاصة عندما تتزامن هذه الوضعية مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع هامش الإنفاق لدى الأسر.
كما شدد شتور على ضرورة الاهتمام بمختلف مراحل تسويق الدجاج، انطلاقا من أسواق الجملة وصولا إلى محلات البيع بالتقسيط، من أجل تحديد العوامل التي تساهم في رفع الأسعار، والتأكد من أن الفوارق المسجلة تعكس تكاليف حقيقية مرتبطة بالنقل والتوزيع والتخزين، ولا تنتج عن ممارسات تؤثر سلبا على المنافسة وتضر بمصالح المستهلكين.
وانتقد رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك ما اعتبره تأثيرا لبعض المضاربين والفاعلين في تحديد أسعار الدجاج واللحوم الحمراء، معتبرا أن هذه الممارسات، إن وجدت، تستدعي تعزيز المراقبة والتدخل للحد من التجاوزات التي قد تؤدي إلى زيادات غير مبررة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواد غذائية تحظى بإقبال واسع من المواطنين.
ويضع استمرار ارتفاع أسعار الدجاج الأسر المغربية أمام معادلة صعبة، في ظل تزايد تكلفة الغذاء وتراجع القدرة على تحمل النفقات اليومية، بينما تتزايد الحاجة إلى ضمان استقرار تموين الأسواق وتحسين ظروف الإنتاج والتسويق، بما يسمح بتوفير هذه المادة بأسعار تراعي إمكانات المستهلكين.
ويبقى تطور الأسعار خلال المرحلة المقبلة مرتبطا بعدة عوامل، من أبرزها قدرة المنتجين على استعادة مستويات إنتاج مستقرة، وتحسن الكميات المعروضة في الأسواق، ومعالجة الاختلالات التي قد تطبع قنوات التوزيع، إلى جانب تعزيز مراقبة السوق لضمان شفافية المعاملات والحد من الممارسات التي يمكن أن تزيد من معاناة المربين والمستهلكين.



