مجتمع

النساء يشكلن 80 في المائة من خريجي التكوين الصحي بالمغرب وتمثيليتهن في مناصب المسؤولية تتوقف عند 22 في المائة

النساء يشكلن 80 في المائة من خريجي التكوين الصحي بالمغرب وتمثيليتهن في مناصب المسؤولية تتوقف عند 22 في المائة

كشفت معطيات رسمية صادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية عن مفارقة لافتة في واقع الموارد البشرية الصحية بالمغرب، تتمثل في الحضور القوي للنساء داخل مؤسسات التكوين والتأهيل المهني، مقابل محدودية تمثيليتهن في مناصب المسؤولية والتدبير داخل القطاع، وهو ما يعيد تسليط الضوء على التحديات المرتبطة بتكافؤ الفرص وتعزيز حضور المرأة في مواقع اتخاذ القرار.

وأبرز التقرير المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، والمتعلق بالنتائج من منظور النوع الاجتماعي، أن النساء شكلن 80 في المائة من مجموع خريجي المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، إلى جانب معاهد التكوين المهني في المجال الصحي، خلال سنة 2025، مقابل 20 في المائة فقط للرجال، وهي أرقام تعكس الوزن الكبير الذي تمثله النساء في إعداد وتأهيل الكفاءات البشرية التي يعتمد عليها القطاع الصحي.

وتؤكد هذه المعطيات أن النساء يشكلن ركيزة أساسية في منظومة التكوين الصحي، بالنظر إلى مساهمتهن الواسعة في مختلف المسارات المهنية المرتبطة بالتمريض وتقنيات الصحة والتخصصات ذات الصلة، غير أن هذا التفوق العددي لا ينعكس بالقدر نفسه على مستوى تقلد المناصب الإدارية ومهام الإشراف والتدبير.

وفي مقابل النسبة المرتفعة للخريجات، لم تتجاوز حصة النساء المعينات في مناصب المسؤولية داخل القطاع الصحي 22 في المائة خلال السنة نفسها، بينما بلغت نسبة الرجال 78 في المائة، وهو تفاوت يبرز اتساع الفجوة بين حضور المرأة في التكوين والممارسة المهنية من جهة، وفرص وصولها إلى مراكز المسؤولية من جهة أخرى.

وتطرح هذه الأرقام تساؤلات بشأن العوامل التي تحد من انتقال النساء من مواقع العمل والتخصص إلى مواقع القيادة والتدبير، خاصة في قطاع تعتمد خدماته بشكل كبير على الكفاءات النسائية، الأمر الذي يجعل تعزيز التمثيلية النسائية في مناصب المسؤولية أحد التحديات المطروحة أمام تطوير تدبير الموارد البشرية الصحية وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص.

وفي المقابل، سجلت النساء حضورا قويا في التعيينات بالمناطق القروية والمعزولة، حيث بلغت نسبتهن 78 في المائة خلال سنة 2025، وهو مؤشر يعكس مساهمتهن المهمة في ضمان استمرارية الخدمات الصحية وتغطية المناطق التي تواجه تحديات مرتبطة بالبعد الجغرافي وصعوبة الولوج إلى المرافق الأساسية.

ويبرز هذا المعطى الدور الذي تضطلع به الكفاءات النسائية في تعزيز العرض الصحي بالمناطق التي تحتاج إلى موارد بشرية إضافية، بما يسهم في تحسين فرص استفادة الساكنة من الخدمات الطبية وشبه الطبية، وتقليص بعض الفوارق المجالية المرتبطة بتوزيع الأطر الصحية.

وعلى مستوى تطوير المهارات المهنية، استحوذت النساء كذلك على 62 في المائة من فرص التكوين المستمر، ما يعكس انخراطهن في مسارات تحديث المعارف واكتساب الكفاءات الضرورية لمواكبة التحولات التي يعرفها القطاع الصحي، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرضى والمرتفقين.

ورغم هذا الحضور في التكوين الأساسي والمستمر، فإن نسبة النساء في مناصب المسؤولية بقيت دون الهدف المحدد في مؤشرات قانون المالية لسنة 2026، والذي كان يرمي إلى بلوغ 25.5 في المائة، بعدما استقرت النسبة المسجلة عند 22 في المائة، بما يكشف عن استمرار التحديات المرتبطة بتحقيق التوازن بين الجنسين في المناصب القيادية.

وتسلط هذه المؤشرات الضوء على ضرورة مواصلة الجهود الرامية إلى تعزيز تكافؤ الفرص داخل القطاع الصحي، وتوفير الظروف التي تتيح للكفاءات النسائية الاستفادة من فرص التطور المهني والوصول إلى مواقع المسؤولية، بما ينسجم مع حجم مساهمتهن في التكوين والعمل الميداني.

كما تبرز أهمية اعتماد مقاربة متكاملة في تدبير الموارد البشرية، لا تقتصر على ضمان حضور النساء في مسارات التأهيل والتوظيف، بل تشمل أيضا دعم مساراتهن المهنية، وتعزيز فرص توليهن مهام الإشراف والتسيير، وتطوير آليات التقييم والتعيين على أساس الكفاءة والاستحقاق.

وتعكس الأرقام الواردة في التقرير صورة مزدوجة لوضعية المرأة في القطاع الصحي بالمغرب، فهي من جهة تمثل الأغلبية الساحقة من خريجي مؤسسات التكوين الصحي، وتساهم بقوة في تقديم الخدمات بالمناطق القروية والمعزولة، ومن جهة أخرى لا تزال مشاركتها في مناصب المسؤولية محدودة مقارنة بحضورها في باقي مستويات المنظومة، ما يجعل تقليص هذه الفجوة من الملفات المطروحة لتعزيز الإنصاف وتطوير الحكامة داخل القطاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى