مال و أعمال

استثمارات ضخمة ب62 مليار درهم ترسم ملامح مرحلة جديدة في الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط

استثمارات ضخمة ب62 مليار درهم ترسم ملامح مرحلة جديدة في الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط

يواصل المغرب تعزيز موقعه ضمن خريطة النقل البحري والتجارة الدولية، من خلال مشاريع مينائية كبرى تستهدف تطوير البنيات التحتية واللوجيستية والطاقية، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، إلى جانب مشروع توسيع ميناء طنجة المتوسط عبر إحداث ميناء جديد يحمل اسم طنجة المتوسط 3، باستثمارات إجمالية تناهز 62 مليار درهم وفق المعطيات المعلنة بشأن المشروعين.

وشكل تقدم الأشغال في هذين الورشين محور جلسة عمل ترأسها الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط، حيث جرى استعراض مستوى الإنجاز والمراحل المقبلة لتطوير المنشآت المينائية، في إطار رؤية تستهدف بناء منظومة متكاملة قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها التجارة العالمية، والاستجابة للطلب المتزايد على خدمات النقل البحري والتخزين والخدمات اللوجيستية.

وخلال الاجتماع، قدم المسؤولون المشرفون على الوكالة الخاصة طنجة المتوسط ومشروع الناظور غرب المتوسط عرضا حول سير الأشغال والآفاق المستقبلية للمشروعين، اللذين يراد لهما أن يشكلا رافعة جديدة للاستثمار والتنمية الاقتصادية، من خلال استقطاب الرساميل الخاصة، وتوسيع الأنشطة الصناعية، وتعزيز فرص الشغل في المناطق المحيطة بهما.

**الناظور غرب المتوسط يعزز العرض المينائي الوطني**

يأتي مشروع الناظور غرب المتوسط ليكمل البنية المينائية التي يوفرها طنجة المتوسط، ويمنح المغرب إمكانات إضافية في مجالات النقل البحري والخدمات اللوجيستية والصناعة والطاقة. وقد بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة المعبأة لهذا المشروع نحو 54 مليار درهم، تشمل إنجاز الأرصفة المينائية ومحطات الحاويات، إلى جانب منصات صناعية ولوجيستية ومنشآت مخصصة للأنشطة الطاقية.

ومن المرتقب أن تدخل المحطة الأولى للحاويات حيز الاستغلال في مرحلة قريبة، بطاقة استيعابية نهائية تصل إلى 3.5 ملايين حاوية. كما يرتقب تشغيل محطة ثانية خلال أبريل 2027، بطاقة إضافية تبلغ 1.8 مليون حاوية، وهو ما سيعزز قدرات الميناء في استقبال الحاويات ومعالجتها، ويدعم دوره ضمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

ويتطلب إنجاز محطتي الحاويات تعبئة استثمارات خاصة تناهز 8 مليارات درهم، بما يعكس أهمية مساهمة القطاع الخاص في تطوير البنيات المينائية وتوسيع الخدمات المرتبطة بها، إلى جانب الاستثمارات العمومية الموجهة لإنجاز التجهيزات الأساسية.

ولا يقتصر المشروع على نقل البضائع والحاويات، بل يمتد ليشمل مكونا طاقيا مهما، من خلال محطة للمحروقات تضم منطقة للتخزين بطاقة محتملة تصل إلى 4 ملايين متر مكعب، فضلا عن محطة للغاز الطبيعي المسال، التي ستتيح معالجة ما يصل إلى 5 مليارات متر مكعب سنويا. ومن شأن هذه المنشآت أن تساهم في تنويع البنية التحتية الطاقية للمملكة وتعزيز قدراتها في التخزين والمعالجة، بما ينسجم مع التوجهات الرامية إلى تقوية الأمن الطاقي.

كما يتضمن المركب المينائي محطات مخصصة للبضائع الصلبة غير المعبأة والبضائع المختلفة، بما يسمح بتوسيع طبيعة الخدمات المقدمة واستيعاب أنواع متعددة من الأنشطة التجارية والصناعية، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين خيارات إضافية في مجال النقل والتوزيع.

**منطقة صناعية واعدة وفرص جديدة للشغل**

بموازاة تطوير البنية المينائية، تتقدم الأشغال بالمنطقة الصناعية التابعة لمشروع الناظور غرب المتوسط، التي دخلت مرحلة النشاط، وتضم حاليا مصنعا واحدا قيد التشغيل، في حين توجد ثلاثة مصانع أخرى في طور البناء.

ومن المنتظر أن تساهم هذه المنطقة في استقطاب استثمارات جديدة، وتوفير فضاء ملائم لتطوير الأنشطة الصناعية واللوجيستية المرتبطة بالميناء، بما يتيح فرصا إضافية للإدماج المهني، ويدعم تنويع النسيج الاقتصادي المحلي.

ووفق المعطيات المعلنة، يرتقب أن يتيح المركب، على المدى القريب، إحداث نحو 1400 منصب شغل مباشر، إضافة إلى حوالي 20 ألف منصب شغل غير مباشر، وهي أرقام تعكس حجم الرهانات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذا المشروع، خصوصا بالنسبة إلى ساكنة الأقاليم المجاورة.

ولضمان اندماج الميناء في محيطه الجغرافي، يجري العمل أيضا على تطوير البنيات التحتية الخاصة بالربط، بما في ذلك الخط السككي بين سلوان والناظور غرب المتوسط، والطريق السيار الرابط بين جرسيف والناظور غرب المتوسط، فضلا عن تأهيل الشبكة الطرقية. ويستهدف هذا الورش تحسين حركة نقل البضائع والأشخاص، وتسهيل ارتباط الميناء بالمراكز الاقتصادية والمناطق الصناعية المحيطة به.

**طنجة المتوسط 3 يرفع الطاقة الاستيعابية للميناء**

في المقابل، يشكل مشروع طنجة المتوسط 3 مرحلة جديدة في مسار توسيع المركب المينائي طنجة المتوسط، الذي يواصل تعزيز حضوره في حركة التجارة البحرية الدولية. ويتضمن المشروع إنشاء ميناء جديد يقع غرب طنجة المتوسط 2، مع إحداث أرصفة يبلغ طولها الإجمالي 1200 متر، وطاقة استيعابية إضافية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية سنويا.

وتقدر كلفة الاستثمار المخصص لهذا المشروع بنحو 8 مليارات درهم، في خطوة تستهدف مواكبة تطور حركة الحاويات، وتوفير إمكانات أكبر لاستقبال السفن التجارية وتعزيز خدمات المناولة والتخزين والتوزيع.

وفي هذا الإطار، جرى توقيع عقد امتياز مع شركة «ميرسك إيه بي إم»، التي تعد من الفاعلين الدوليين البارزين في قطاع النقل البحري، من أجل تطوير المحطة الجديدة للحاويات. ويأتي هذا الاتفاق ضمن مساعي تعبئة الخبرات والاستثمارات الخاصة لتطوير البنية المينائية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للفاعلين الاقتصاديين.

ويتزامن المشروع مع مواصلة توسعة ميناء المسافرين وميناء شاحنات النقل الدولي، إلى جانب إتاحة إمكانات إضافية لتوسيع الجزء الشرقي من طنجة المتوسط 2، بما يدعم التكامل بين مختلف مكونات المركب ويعزز قدرته على التعامل مع تدفقات متزايدة من البضائع والمسافرين.

ومع دخول هذه المشاريع حيز الاستغلال واستكمال عمليات التوسعة، يرتقب أن تصل الطاقة الاستيعابية الإجمالية لمركب طنجة المتوسط إلى 20 مليون حاوية سنويا، وهو ما من شأنه أن يعزز موقعه في شبكة الموانئ العالمية، ويدعم طموح المغرب إلى توسيع حصته في حركة التجارة البحرية الدولية.

**رهان على التنمية المحلية والتكوين المهني**

ولا تقتصر أهداف هذه المشاريع على تطوير الموانئ ورفع قدرتها الاستيعابية، بل تشمل أيضا تحقيق آثار اقتصادية واجتماعية ملموسة على مستوى المناطق المعنية، من خلال تحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأنشطة الصناعية والخدماتية المرتبطة بالنقل البحري.

وفي هذا السياق، شدد الملك محمد السادس على ضرورة أن تنعكس النتائج الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأوراش على مختلف الأقاليم المعنية، وأن تستفيد منها الساكنة المحلية، بما يضمن ارتباط المشاريع الكبرى بالتنمية الترابية وتحسين فرص الاندماج الاقتصادي.

كما جرى التأكيد على أهمية تسريع تنفيذ برامج للتكوين المهني تتلاءم مع حاجيات الأنشطة الجديدة التي ستنشأ حول هذه المنشآت، حتى يتمكن الشباب من اكتساب المهارات المطلوبة والولوج إلى فرص الشغل التي ستوفرها القطاعات الصناعية واللوجيستية والطاقية.

وتعكس مشاريع الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط 3 توجها نحو تطوير منظومة مينائية متكاملة تجمع بين النقل البحري والصناعة والطاقة والخدمات اللوجيستية، مع الرهان على جعل الاستثمار في البنيات التحتية وسيلة لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتوسيع فرص التنمية في مختلف المجالات الترابية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى