مال و أعمال

المغرب يراهن على استثمارات تفوق 9 مليارات درهم لتعزيز التنقيب عن النفط والغاز

المغرب يراهن على استثمارات تفوق 9 مليارات درهم لتعزيز التنقيب عن النفط والغاز

يتجه المغرب إلى ضخ استثمارات مهمة في مجال استكشاف المحروقات، من خلال إطلاق برنامج جديد تتجاوز قيمته 9,21 مليار درهم، يمتد على مدى خمس سنوات، ويهدف إلى تكثيف عمليات البحث عن النفط والغاز الطبيعي، وتوسيع نطاق الدراسات الجيولوجية والأنشطة الميدانية الرامية إلى اكتشاف مكامن جديدة للموارد الطاقية. ويأتي هذا التوجه في سياق سعي المملكة إلى تقوية إمكاناتها في مجال الطاقة، وجذب المزيد من الشركات الدولية المتخصصة للمساهمة في تطوير قطاع الاستكشاف.

وتشير المعطيات الواردة في التقرير المتعلق بالمؤسسات والمقاولات العمومية، المصاحب لمشروع قانون المالية، إلى أن المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن سيعتمد في تنفيذ هذا البرنامج على مساهمات المستثمرين والشركات الشريكة، التي ستتكفل بتمويل الجزء الأكبر من الكلفة الإجمالية. ومن المرتقب أن تصل مساهمة هؤلاء الشركاء إلى 8,38 مليار درهم، أي ما يعادل 91 في المائة من إجمالي الاستثمارات المبرمجة، مقابل 829 مليون درهم سيوفرها المكتب من موارده المالية الخاصة.

ويعكس هذا التوجه رغبة المؤسسة في توزيع المخاطر المالية المرتبطة بعمليات التنقيب، التي تتطلب إمكانات مادية وتقنية كبيرة، دون أن تكون نتائجها مضمونة في جميع الحالات، إذ قد تنتهي بعض عمليات الحفر دون العثور على احتياطيات تتوفر فيها شروط الاستغلال الاقتصادي والتجاري. ولذلك، يشكل إشراك الشركات المتخصصة خيارا استراتيجيا لتوسيع حجم المشاريع وتقاسم تكاليفها، مع الحد من الضغط على الموارد المالية للمكتب.

وعلى مستوى الأنشطة الجارية، يواصل المكتب تنفيذ برامجه الاستكشافية بتعاون مع 11 شركة عاملة في القطاع، ضمن مساحة جغرافية إجمالية تصل إلى 107 آلاف و870,91 كيلومترا مربعا. وتشمل محفظة التراخيص المتوفرة 10 رخص للبحث والتنقيب بالمناطق البرية، و30 رخصة بحرية، إلى جانب تصريحين للاستكشاف في المجال البحري، فضلا عن ثلاثة امتيازات مخصصة للاستغلال.

وتبرز هذه الأرقام اتساع المجال الذي تغطيه عمليات البحث عن الموارد الهيدروكاربونية بالمغرب، سواء على اليابسة أو في المناطق البحرية، كما تعكس أهمية الشراكات الاستثمارية في استقطاب الخبرات والتكنولوجيا الضرورية لإنجاز عمليات التنقيب والحفر، ورفع فرص الوصول إلى اكتشافات جديدة يمكن أن تدعم العرض الوطني من الطاقة.

وكان قطاع استكشاف المحروقات قد استقطب استثمارات بقيمة 395 مليون درهم خلال السنة الماضية، تحملت الشركات الشريكة النصيب الأكبر منها، بما مجموعه 370 مليون درهم، في حين لم تتجاوز مساهمة المكتب 25 مليون درهم. وشهدت الأنشطة المرتبطة بهذا المجال أيضا توقيع 19 اتفاقية تروم تشجيع التعاون مع مستثمرين جدد، إلى جانب إنجاز عملية حفر بئر استكشافية بالمناطق البرية.

وتؤكد هذه الحصيلة استمرار اعتماد المكتب على التمويل الخارجي باعتباره ركيزة أساسية لتطوير مشاريعه، حيث بلغت مساهمة الشركاء 93,7 في المائة من مجموع الاستثمارات الموجهة للتنقيب عن النفط والغاز خلال الفترة نفسها، مقابل مساهمة محدودة من الميزانية الذاتية للمؤسسة. ومن المنتظر أن يستمر هذا النموذج التمويلي ضمن البرنامج الجديد، بالنظر إلى حجم المشاريع المرتقبة وطبيعة التحديات التقنية والمالية التي تميز عمليات الاستكشاف.

وفي المقابل، يواجه الإنتاج الوطني من الغاز الطبيعي بعض الصعوبات المرتبطة بتراجع مردودية عدد من الحقول، إذ سجلت الكميات المسلمة في إطار حصة المكتب انخفاضا بنسبة 21 في المائة، لتستقر عند 20,14 مليون متر مكعب نظامي، مقارنة بالمستوى المسجل خلال السنة السابقة. ويعكس هذا التراجع الحاجة إلى تكثيف عمليات البحث والحفر، بهدف تعويض الاحتياطيات المستنزفة والحفاظ على مستويات الإنتاج المحلي.

وأرجع التقرير هذا الانخفاض أساسا إلى تقلص المخزونات المتاحة بحوض الغرب، إضافة إلى عدم تنفيذ عمليات حفر لآبار جديدة خلال الفترة المعنية. كما شمل التراجع منتجات أخرى مرتبطة باستغلال المحروقات، حيث انخفضت كميات المكثفات المسلمة بنحو 10 في المائة، لتصل إلى 1729,76 طنا.

وتضع هذه المؤشرات مسألة تجديد الاحتياطيات الوطنية ضمن أولويات المرحلة المقبلة، خاصة في ظل الحاجة إلى تعزيز الأمن الطاقي وتقليص الاعتماد على مصادر التزود الخارجية. ويراهن المغرب في هذا الإطار على توسيع عمليات الاستكشاف والاستفادة من نتائج الدراسات الجيولوجية، فضلا عن تشجيع الشركات الدولية على الاستثمار في المناطق التي تتوفر على مؤشرات واعدة بخصوص وجود موارد إضافية من الغاز والنفط.

وفي سياق مواز، سجلت حركة الغاز الطبيعي عبر أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي ارتفاعا بنسبة 7,9 في المائة، بعدما بلغت الكميات المنقولة 890,1 مليون متر مكعب نظامي، وهو ما يعادل 10,37 مليار كيلوواط ساعة. ويتولى المكتب، من خلال شركته التابعة «أومكو»، مسؤولية تشغيل هذه المنشأة والإشراف على عمليات صيانتها، بما يضمن استمرار استغلالها في إطار منظومة نقل الغاز.

ولا تقتصر استراتيجية المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن على البحث عن النفط والغاز، بل تشمل كذلك تطوير الأنشطة المنجمية واستكشاف الموارد المعدنية التي يزخر بها باطن الأرض. وفي هذا الصدد، تجاوزت المساحات التي شملتها عمليات التنقيب المعدني 7 آلاف كيلومتر مربع، باستثمارات إجمالية بلغت 724,5 مليون درهم، ساهم الشركاء بنسبة 87,25 في المائة منها.

ويعتزم المكتب توسيع هذه الأنشطة من خلال برنامج منجمي يمتد على ثلاث سنوات، ويتضمن تنفيذ 50 مشروعا موزعة بين مبادرات يشرف عليها بإمكاناته الخاصة، وأخرى تنجز في إطار التعاون مع المستثمرين. وتضم هذه المحفظة 27 مشروعا يتولى المكتب تطويرها مباشرة، مقابل 23 مشروعا تعتمد على الشراكات الخارجية.

ويركز البرنامج الجديد على توسيع دائرة الأبحاث المتعلقة بالمعادن النفيسة والاستراتيجية، بالنظر إلى أهميتها المتزايدة في الصناعات الحديثة والتحولات الاقتصادية العالمية. كما يتضمن التوجه نحو استكشاف إمكانات الهيدروجين الطبيعي، والبحث في مصادر الطاقة البديلة، إلى جانب دراسة فرص التخزين الجيولوجي للطاقة واحتجاز وتخزين ثنائي أكسيد الكربون.

وعلى المستوى المالي، حقق المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن رقم معاملات بلغ 507,5 ملايين درهم، مسجلا ارتفاعا بنسبة 6 في المائة مقارنة بالفترة السابقة. غير أن هذا التطور لم يواكبه تحسن مماثل في الأرباح، إذ تراجعت النتيجة الصافية للمؤسسة بشكل ملحوظ، بعدما انتقلت من 95,55 مليون درهم إلى 2,77 مليون درهم فقط، وهو ما يعكس تأثير مجموعة من العوامل على توازناتها المالية.

وبلغت مداخيل المكتب 215 مليون درهم مع نهاية النصف الأول من السنة الجارية، بينما تشير توقعاته إلى إمكانية رفع رقم المعاملات إلى 634 مليون درهم عند إغلاق السنة، مع تحقيق نتيجة صافية تقدر بنحو 85 مليون درهم. كما يطمح إلى إنجاز استثمارات بقيمة 386 مليون درهم، مقابل 636 مليون درهم كانت مبرمجة في قانون المالية السابق.

أما بخصوص التوقعات المالية للسنوات المقبلة، فيرتقب أن يصل رقم معاملات المؤسسة إلى 686 مليون درهم، قبل أن يتراجع تدريجيا إلى 655 مليون درهم، ثم 567 مليون درهم. وفي المقابل، حددت التقديرات المرتبطة بمشروع قانون المالية حجم استثمارات المكتب في 409 ملايين درهم، مقارنة ب348 مليون درهم من الاستثمارات التي جرى إنجازها خلال السنة الماضية.

وتجدر الإشارة إلى أن القيمة الإجمالية للبرنامج الجديد الخاص بالتنقيب عن النفط والغاز تفوق بكثير الإمكانات الاستثمارية الذاتية للمكتب، بالنظر إلى أن تمويل الجزء الأكبر من المشاريع سيقع على عاتق الشركات المتعاقدة والشريكة. ويتيح هذا النموذج توسيع حجم الأنشطة الميدانية والاستفادة من الخبرات الأجنبية، دون تحميل المؤسسة العمومية كامل الأعباء المالية المرتبطة بعمليات البحث والحفر.

وعلى مستوى الإصلاحات المؤسساتية، يشهد المكتب تحولا في إطاره القانوني والتنظيمي، عقب صدور القانون رقم 56.24 الذي ينص على تحويله إلى شركة مساهمة. ويهدف هذا التغيير إلى تحديث أساليب تدبير المؤسسة، وتطوير آلياتها المالية والتنظيمية، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها قطاع الطاقة، ويسمح بتوفير شروط أكثر مرونة لتدبير الاستثمارات وإبرام الشراكات مع الفاعلين الاقتصاديين.

وبالتوازي مع برامج الاستكشاف داخل المغرب، يواصل المكتب الانخراط في مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يجري تطويره بشراكة مع مؤسسة البترول الوطنية النيجيرية، ويعد من المشاريع الاستراتيجية الهادفة إلى إحداث شبكة إقليمية لنقل الغاز الطبيعي وتعزيز التعاون الطاقي بين الدول الإفريقية.

ويحظى هذا المشروع بدعم مؤسساتي من بلدان المنطقة، بعدما وقعت الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «سيدياو» الاتفاق الحكومي الدولي المتعلق به، في إطار الجهود الرامية إلى توفير الإطار القانوني والتنظيمي الضروري لمواصلة مراحل إنجازه.

ويمتد الأنبوب المرتقب على مسافة تقارب 6800 كيلومتر، مع استهداف بلوغ قدرة نقل سنوية تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. كما يتضمن التصور العام للمشروع تزويد 13 بلدا إفريقيا مطلا على المحيط الأطلسي بهذه المادة الطاقية، قبل ربط الشبكة بخط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي، بما يفتح المجال أمام تعزيز الربط الطاقي بين إفريقيا وأوروبا.

وتشير التوقعات المرتبطة بهذا الورش إلى إمكانية انطلاق عمليات تزويد البلدان المعنية بالغاز ابتداء من أفق سنة 2031، وهو ما يمنح المشروع أهمية استراتيجية تتجاوز مجرد نقل المحروقات، ليشكل رافعة للتكامل الاقتصادي وتطوير البنيات التحتية وتعزيز فرص الاستثمار في قطاع الطاقة بالقارة الإفريقية.

وتعكس مختلف هذه المشاريع والاستثمارات توجه المغرب نحو تنويع مصادره الطاقية وتطوير قدراته في مجالات التنقيب والإنتاج والنقل، مع الاعتماد على الشراكات الدولية والتحديث المؤسساتي لتسريع إنجاز الأوراش الكبرى. كما يبرز الرهان على البحث عن احتياطيات جديدة من النفط والغاز، إلى جانب تطوير الموارد المعدنية ومصادر الطاقة الواعدة، باعتباره أحد الخيارات المطروحة لتعزيز موقع المملكة ضمن التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة إقليميا ودوليا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى