مجتمع

بعد تسجيل إصابات جديدة بالمغرب عودة الدفتيريا تدق ناقوس الخطر وتعيد التلقيح إلى الواجهة 

بعد تسجيل إصابات جديدة بالمغرب عودة الدفتيريا تدق ناقوس الخطر وتعيد التلقيح إلى الواجهة

أعادت عودة تسجيل حالات الإصابة بداء الدفتيريا في المغرب تسليط الضوء على أهمية التلقيح ودوره في الوقاية من الأمراض المعدية والحد من انتشارها، بعدما ظل هذا المرض غائبا عن البلاد لأكثر من ثلاثة عقود بفضل جهود التمنيع. وتثير هذه التطورات الانتباه إلى المخاطر التي قد تنتج عن عدم استكمال الجرعات الموصى بها، خصوصا لدى الأطفال الذين لم يستفيدوا من الحماية التلقيحية الكافية.

وتعد الدفتيريا من الأمراض البكتيرية المعدية التي تصيب أساسا الجهاز التنفسي العلوي، ولا سيما الحلق والأنف، كما يمكن أن تظهر على مستوى الجلد. وتكمن خطورة هذا المرض في السموم التي تنتجها البكتيريا المسببة له، والتي قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة تمس القلب والجهاز العصبي والكليتين، وقد تهدد حياة المصاب في حال تأخر التشخيص أو عدم الحصول على العلاج المناسب. وتشير تقديرات الأخصائيين إلى أن معدل الوفيات المرتبطة بالمرض قد يتراوح بين 5 و10 في المائة.

وبعد سنوات طويلة من غياب الإصابات المسجلة، عاد المرض إلى الظهور بالمغرب، حيث أعلنت وزارة الصحة عن رصد بؤرتين عائليتين بجهة سوس ماسة، إحداهما بعمالة أكادير إداوتنان والأخرى بإقليم اشتوكة آيت باها، وشملتا أطفالا غير ملقحين أو لم يستكملوا الجرعات اللازمة، إلى جانب تسجيل حالات إضافية متفرقة، من بينها حالة وافدة من الخارج.

وفي هذا السياق، أكدت البروفيسورة مجدولين أوبطيل، المتخصصة في علم الأوبئة السريري والأستاذة بكلية الطب والصيدلة بالرباط، أن محدودية الحالات المسجلة والإجراءات الصحية المتخذة للتعامل معها لا تقللان من أهمية التحلي باليقظة، مشددة على ضرورة احترام مواعيد التلقيح واستدراك الجرعات الناقصة، إلى جانب التعرف المبكر على الأعراض التي قد تشير إلى الإصابة بالمرض.

وأوضحت الأخصائية، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الدفتيريا تنتقل أساسا من شخص إلى آخر عبر الرذاذ التنفسي الذي ينتشر أثناء السعال أو العطس أو الكلام، كما يمكن أن تنتقل من خلال الاحتكاك المباشر بالآفات الجلدية المصابة. ويجعل ذلك من الأماكن التي تعرف تجمعات بشرية، مثل المدارس ودور الحضانة، فضاءات تستدعي اهتماما خاصا بقواعد الوقاية والنظافة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص لا يتوفرون على مناعة كافية ضد المرض.

تظهر العلامات الأولى للإصابة بالدفتيريا عادة بعد يومين إلى خمسة أيام من انتقال العدوى، وقد تبدأ بالتهاب الحلق والشعور بالألم أثناء البلع، إلى جانب ارتفاع درجة الحرارة. ومن أبرز العلامات التي تميز المرض ظهور أغشية سميكة وملتصقة في الجزء الخلفي من الحلق، تكون بيضاء في البداية ثم تميل إلى اللون الرمادي، وقد يؤدي العبث بها أو محاولة إزالتها إلى حدوث نزيف.

كما يمكن أن تتطور الحالة إلى ظهور تورم واضح في الرقبة، أو بحة في الصوت، أو صعوبات في التنفس، وهي مؤشرات تستدعي الحصول على الرعاية الطبية بصورة عاجلة. وقد تظهر الإصابة أيضا في شكل إفرازات أنفية، تكون مصحوبة بالدم في بعض الحالات، أو آفات جلدية تستمر لفترة طويلة دون التئام.

وشددت البروفيسورة أوبطيل على أهمية عدم الاستهانة بهذه الأعراض، وضرورة استشارة الطبيب فور الاشتباه في الإصابة، بالنظر إلى أن سرعة التشخيص وبدء العلاج المناسب يساعدان على تقليل خطر المضاعفات والحد من انتقال العدوى إلى المحيطين بالمريض.

اعتبرت الأخصائية أن عودة الدفتيريا إلى الظهور تبرز أهمية الحفاظ على مستويات مرتفعة من التغطية التلقيحية، وضمان عدم ترك أي طفل دون حماية كافية. وأوضحت أن اللقاح يمثل الوسيلة الأكثر فعالية للوقاية من المرض ومضاعفاته الخطيرة، من خلال تحفيز الجسم على تكوين حماية ضد السموم التي تنتجها البكتيريا المسببة للعدوى.

وينص البرنامج الوطني للتمنيع بالمغرب على إعطاء الجرعات الأولية من اللقاح المضاد للدفتيريا في عمر شهرين وثلاثة أشهر وأربعة أشهر، تليها جرعات تذكيرية في عمر 18 شهرا وخمس سنوات، بهدف تعزيز المناعة وضمان استمرار الحماية خلال مراحل النمو.

ولا تقتصر أهمية التلقيح على مرحلة الطفولة، إذ تظل الجرعات التذكيرية ضرورية للحفاظ على المناعة مع مرور الوقت، بما يشمل مرحلة المراهقة والبلوغ، وفق التوصيات الصحية المعمول بها. كما ينبغي الاهتمام بالأطفال الذين انقطعوا عن استكمال جدول تلقيحهم، وبالأشخاص الذين لم يتلقوا الجرعات المطلوبة أو لم يستكملوا جرعاتهم التذكيرية.

وفي حال التأخر عن المواعيد المحددة، أوضحت الأخصائية أن استدراك التلقيح لا يستلزم عادة إعادة الجدول من البداية، بل يمكن استكمال الجرعات المتبقية وفق برنامج مناسب يأخذ بعين الاعتبار عمر الشخص وسجله التلقيحي. ودعت الآباء والأمهات إلى مراجعة دفاتر تلقيح أبنائهم والتوجه إلى أقرب مركز صحي عند الشك في استكمال الجرعات، مؤكدة أن اللقاحات المدرجة ضمن البرنامج الوطني للتمنيع متاحة مجانا بالمؤسسات الصحية العمومية.

إلى جانب دوره في حماية الشخص الملقح، يساهم التلقيح في تقليص فرص انتشار المرض داخل المجتمع، إذ يمكن أن يؤدي وجود مجموعات من الأشخاص غير الملقحين أو الذين لم يستكملوا جرعاتهم إلى تهيئة الظروف لظهور بؤر جديدة للعدوى، حتى في البلدان التي أصبحت فيها الدفتيريا نادرة.

وأكدت البروفيسورة أوبطيل أن التعامل مع الحالات المشتبه فيها يتطلب إطلاق التدابير الصحية اللازمة دون تأخير، من خلال عزل المصاب، وأخذ العينات الضرورية لتأكيد التشخيص، والشروع في العلاج المناسب، الذي يشمل المضادات الحيوية ومضاد سم الدفتيريا بحسب الحالة والتوجيهات الطبية.

وتشمل إجراءات الاستجابة الصحية أيضا تحديد الأشخاص الذين خالطوا المصاب ومتابعة وضعهم الصحي، خصوصا أفراد الأسرة وزملاء الدراسة والعمل، إلى جانب مهنيي الصحة الذين تعاملوا معه. وبناء على طبيعة التعرض للعدوى والوضعية التلقيحية لكل شخص، يمكن اللجوء إلى العلاج الوقائي بالمضادات الحيوية، أو إعطاء اللقاح، أو استكمال الجرعات الناقصة عند الحاجة.

وتتطلب هذه العملية تنسيقا بين المؤسسات الصحية والسلطات المحلية والمؤسسات التعليمية والأسر، مع ضرورة تعاون الأشخاص الذين تتواصل معهم الفرق الصحية، لضمان تنفيذ الإجراءات الوقائية والحد من احتمال انتقال العدوى إلى أشخاص آخرين.

من التحديات التي تطرحها عودة مرض نادر مثل الدفتيريا محدودية الخبرة السريرية لدى بعض مهنيي الصحة، بسبب قلة الحالات التي يصادفونها في الممارسة اليومية. ولهذا، تبرز أهمية تعزيز التكوين والتحسيس واليقظة الطبية، بما يساعد على التعرف السريع على العلامات المشتبه فيها وتوجيه المرضى نحو التشخيص والتكفل المناسبين.

كما أوصت الأخصائية بالالتزام بقواعد النظافة التنفسية، وغسل اليدين بانتظام، وتهوية الفضاءات المغلقة والجماعية، ولا سيما المدارس ودور الحضانة، مع تجنب المخالطة القريبة للآخرين عند ظهور أعراض توحي بالإصابة، إلى حين الحصول على استشارة طبية.

ودعت كذلك إلى استقاء المعلومات المتعلقة بالمرض واللقاحات من المصادر الصحية الرسمية ومهنيي الصحة، تفاديا لانتشار الأخبار غير الدقيقة والشائعات التي قد تثير الخوف أو تضعف ثقة المواطنين في التلقيح.

وتؤكد عودة الدفتيريا إلى الظهور بالمغرب أن اختفاء الأمراض المعدية لفترات طويلة لا يعني زوال خطرها بشكل نهائي، وأن الحفاظ على المكتسبات الصحية يظل رهينا باستمرار التلقيح، واستكمال الجرعات الموصى بها، والتدخل المبكر عند الاشتباه في الإصابة، فضلا عن تعاون الأسر والمؤسسات الصحية والتعليمية في جهود الوقاية وحماية الصحة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى